ابن قيم الجوزية
211
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
هذه الحروف الشديدة ، ووضعوا للمعنى الخفيف : الهواية ، التي هي من أخف الحروف . وهذا أكثر من أن يحاط به ، وإن مد اللّه في العمر وضعت فيه كتابا مستقلا إن شاء اللّه تعالى . ومثل هذه المعاني يستدعي لطافة ذهن ، ورقة طبع . ولا تتأتى مع غلظ القلوب ، والرضى بأوائل مسائل النحو والتصريف ، دون تأملها وتدبرها ، والنظر إلى حكمة الواضع ، ومطالعة ما في هذه اللغة الباهرة من الأسرار التي تدق عن أكثر العقول . وهذا باب ينبه الفاضل على ما وراءه 24 : 40 وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ . وانظر في تسميتهم الغليظة الجافي بالعتلّ والجعظري ، والجواظ ، كيف تجد هذه الألفاظ تنادي على ما تحتها من المعاني . وانظر إلى تسميتهم الطويل بالعشنّق . وتأمل اقتضاء هذه الحروف ومناسبتها لمعنى الطول ، وتسميتهم القصير بالبحتر ، وموارتهم بين ثلاث فتحات في اسم الطويل ، وهو العشنق ، وإتيانهم بضمتين بينهما سكون في البحتر ، كيف يقتضي اللفظ الأول : انفتاح الفم ، وانفراج آلات النطق ، وامتدادها ، وعدم ركوب بعضها بعضا ، وفي اسم البحتر الأمر بالضد . وتأمل قولهم : طال الشيء ، فهو طويل ، وكبر كبير . فإن زاد طوله وكبره قالوا : طوالا ، وكبارا ، فأتوا بالألف التي هي أكثر مدا ، وأطول من الياء في الأطول . فإن زاد كبر الشيء ، وثقل موقعه من النفوس ثقّلوا اسمه ، فقالوا : كبّارا بشد الباء . ولو أطلقنا عنان القلم في ذلك لطال مداه ، واستعصى على الضبط . فلنرجع إلى ما جرى الكلام بسببه فنقول :